Pour une Republique democratique. من أجل جمهورية ديمقراطية

من أجل جمهورية ديمقراطية

د. ميشال بول جزّار (*)

        يدخل هذا المقال في سياق دور المسؤولين و المهتمين بشؤون خدمة المجتمع في “تحريك النقاش العام” توصلاً إلى بلورة النقاط الأساسية الصالحة لبناء الجمهورية، جمهورية ديمقراطية عمادها المواطن والمؤسسات والقانون.

        و “النخبة” مدعوة الى التعبير – من خلال الوسائل والأطر المعتمدة سلمياً – عن افكارها والى وضع معرفتها وخبرتها في اتمام التصور النهائي لقيام جمهورية ديمقراطية .

        هل تتمكن تلك “النخبة” ان تلتقيَ من أجل تطوير الصيغة اللبنانية نحو الديمقراطية الصرفة الملازمة للجمهورية والتي تشكل خشبة خلاص لشعب ما زال يكافح يومياً من أجل البقاء والعيش بحرية على مساحة جغرافية اسمها “الجمهورية اللبنانية”؟

        منذ ما قبل الأستقلال وما بعده وما زلنا نفتش عن “الجمهورية” ونحن نتساءل “أي لبنان نريد” !

        فنحن اللبنانيون نعيش في “الجمهورية” بالأسم، ندعي الديمقراطية و نطبقها بنقصان إلا بما يخص حماية “الخصوصيات” التي نريدها كاملة و على حساب الشأن العام.

        كتب الرئيس فؤاد شهاب في بيان العزوف عن الترشيح ثانية لرئاسة الجمهورية (4-8-1970) “ان الاتصالات العديدة التي اجريتها والدراسات التي قمت بها عززت قناعتي بأن البلاد غير مهيأة بعد ولا معدّة لتقبل تحولات…” وهذا يعني ان منذ ذلك الوقت والمسؤولين عن السياسة في لبنان لا يريدون بناء الجمهورية وبالتالي افسحوا المجال لتخريب السلم الداخلي وتحويل البلاد مزرعة للتبعية والزبائنية .

        و يعود الى ذاكرتي هذان القولان الشعبيان “الله مثل مابيبلي بعين” و “الله بيفلتك من يَدْ ليلتقطك بيَدْ” وأنا أرى في هذين القولين أَن الله قد أعاننا و التقطنا بيد بتلك الشمعة التي اضيئت بتاريخ 25 أيار / مايو 2008 و المتمثلة داخلياً  في إنتخاب تم بالتوافق لرئيس جمهورية توافقي .

و الحدث هذا عزز التفاؤل والحماسة لدى اللبنانيين الذين لم يلقوا ملاذهم في رقم ما، بل في خطاب قائد (Leader) واقعي، عاقل، شفاف، هو خطاب – رؤية وخطاب- عمل. إن هذا الانتخاب هو حصيلة عوامل إيجابية ظهرت في المنطقة وهي تتنامى ولو بثقل وببطء.

         وما نراه من تحولات فكرية ولفظية في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا والعالم تنبأ بوضع هو أقرب من الهدوء والتعقل منه للأنفجار …

فالمشهد الأورو – متوسطي الآتي بهدوء وثبات هو حصيلة توافق اقليمي-دولي حول دور لبنان كنقطة التقاء جغرافي وتاريخي وتجاري واجتماعي وثقافي بين القوس الجغرافي غرباً (ساحل اوروبا وعمقه الروسي – لبنان – ساحل افريقيا الشمالية) والقوس الجغرافي شرقاً (تركيا – لبنان – الخليج وآسيا وعمقها الصيني – الهندي).

وحصلت مبادرات تاريخية رسمت لنا ملامح المرحلة الجديدة و منها:

        – الأعتذار العلني لقداسة البابا بوحنا – بولس الثاني , عن جميع المسيحيين , للإساءات التي حلت بكل انسان وبكل مجتمع وبكل بلد من جراء “الحملات الصليبية” التي مارس روادها وضع اليد على الثروات والتنكيل بالشعوب أكثر منه حماية مقدسات المسيحيين . ان تلك الإساءات أدت الى تقهقر الحضور المسيحي في المشرق العربي ومغربه … والشرق هو مهد يسوع المسيح !

        وهل من الضروري التذكير ايضاً بالأعتذارات السياسية لليبيا وللسكان الأصليين في اوستراليا ؟

        – مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود في تبنيه الشخصي للدعوة لحوار إسلامي – مسيحي في مدريد ثم  من خلال منظّمة الأمم المتحدة وذلك من اجل وضع حد لنمو الكراهية بين اتباع الديانتين . ان الانشقاق في المجتمع الواحد وبين الشعوب ينمّي التعصّب والظلامية ليس فقط في الشرق ولكن أيضاً في الغرب مما يشكل خطراً على كل من المسيحيين والمسلمين ويروج صورة العربي المسلم “الارهابي– المتأخر فكرياً” مكان حقيقة العربي – المسلم المبدع، المتنور والمتعقل .

        – اعتراف رئيس الوزراء الاسرائيلي المستقيل إيهود اولمرت بأن حلم الصهيونية العالمية بإسرائيل التي تمتد من النهر الى البحر قد انتهى واصبح الحلم كابوساً يومياً على اليهود والاسرائليين ومنطلقاً لعدم الاستقرار لإسرائيل وللعالم اجمع لا بل الى بلوغ انتفاء وجودها وظهور أهمية الديموغرافيا والثروات الجوفية من بترول ومياه ومعادن في البلدان المحيطة بها حيث تكنّ لها شعوبها العداء بسبب عدم إحقاق الحق و العدالة في فلسطين .

اذاً تسود حالياً لغة التعقّل والهدوء  مع انتهاء مدة صلاحية “حروب الأنبياء” بعد ألفي سنة ونيف من المأساة المتكررة ولو ان بعض “الجواسيس” و “الخونة” و “الرؤوس الحامية” ما زالوا يراهنون ويسعون بتمديد الأزمات لألف سبب وسبب . ان الحروب هي دائماً حصيلة تصرّف جهات موتورة ومتهورة في التاريخ القديم والحديث وعلى اللبنانيين وعي تلك المتغيرات الأقليمية والدولية والتقاط الفرصة للخروج من أزماتهم في التطلع الى الوحدة في بناء جمهوريتهم .

 لذا يتوجب على اللبنانيين ان يتحدوا بعقلانية (العقل هو ما يقربنا من الله) ومن خلال التوافق النهائي (التوافق ينبع من السلام  في القلوب) على احقية الانسان – المواطن بالعيش الكريم في جمهورية تحقق له حلمه، جمهورية ديمقراطية تحافظ على الفرد من ضمن المصلحة العامة، قادرة على “احترام الحريات العامة والمعتقد والتعبير” .

        ان الرئيس ميشال سليمان ,الآتي من الطبقة الوسطى، المثقفة، الواعية، البراغماتية، الحرة، المثقلة بالتضحيات والعذاب والمؤمنة بالتشاور والمعروف عنه “دقة قديمة” في التربية البيتية والتشدد على العلم والتعلق بالانسان والأرض, يجسّد تباشير نمو كتلة وسطية متعقلة, معتدلة وهادئة محورها الانسان – المواطن نتمناها منطلقاً لجمهورية ديمقراطية واعدة حيث الرئيس في خدمة المواطنين و المواطنون في خدمة الوطن.

        لقد حدد الرئيس ميشال سليمان – في خطاب القسم – نقاطاً تشكّل منطلقاً صالحاً لبناء الجمهورية ويبقى على كل واحد منا، على صعيده الشخصي أو من ضمن أي مجموعة، تحقيق مواطنته ونشر مبادئ السلم الداخلي. ان الدولة المدنية الحاضنة للجميع هي القادرة على تأمين الأنماء المتوازن والمستدام ,الرخاء والسعادة لشعبها .

1– مشروع قيام الجمهورية الديمقراطية :

        يقول رئيس الجمهورية في خطاب القسم : “لنبدأ مرحلة جديدة عنوانها لبنان واللبنانيون، نلتزم فيها مشروعاً وطنياً نلتقي عليه، بذهنية متقدمة، لنصل الى ما يخدم الوطن ومصلحته كأولوية على مصالحنا الفئوية والطائفية ومصالح الآخرين” . ان ما يخدم الوطن ومصلحته كأولوية على مصالحنا هي قيام جمهورية ديمقراطية . لكن لأي جمهورية نطمح وعن أي ديمقراطية نتكلم ؟

        اتت كلمة “جمهورية” République  من اللاتينية res publica و معناها ” الشأن العام” . والجمهورية هي نظام سياسي تقوم عليه الدولة من أجل خدمة “الخير المشترك” وليس الخير الخاص (الخصوصيات) مثل في بعض الأنظمة السياسية . والسيادة تتحقق في دور الشعب بممارسة السلطة السياسية بطريقة مباشرة أم بواسطة ممثلين ينتخبونهم و من خلالهم يصبح الشعب هو مصدر أي قانون , و بالتالي تمارس الدولة سلطتها من خلال هذا القانون على افراد أحرار (المواطنون) متساوون في الحقوق والواجبات (المواطنة) .

        ويجب الاعتراف بأن استعمال كلمة “جمهورية” لا يعني بالضرورة ان تلك الدولة تمارس الديمقراطية (مثلاً في عدم تمكن جزء من الشعب ممارسة حق الترشيح أو حق الأنتخاب) .

الا ان الدمقراطية تصبح “خطرة” اذا ما احتضنت فقط الخصوصيات في رحمها دون اي نظام ضابط او مؤسسة ضابطة .

        وما يفرِّق بين الديمقراطية والجمهورية هو ان الاولى تجسّد التعددية و التنوع و”الخصوصيات” بينما تقوم الثانية على اساس الوحدة ومصلحة المجموعة . “ان الديمقراطية تعطي مساحة لخصوصيات المجتمع لأنها ترى الفرد من زاوية مصالحه وهمومه وهواجسه الخاصة بينما تفتش الجمهورية دوماً على المصلحة المشتركة بعيداً عن تلك الخصوصيات” (1) كما جاء في التباين ادناه :

الديمقراطية

الجمهورية

ما هو صالح للفرد هو صالح لغيره ولأفراد مجتمعه .

ما هو صالح لجميع المواطنين هو صالح لكل فرد منهم .

الأولوية للفرد .

عندما يصبح في المساحة العامة يتحول الفرد الى مواطن .

الأفضلية للميدان الخاص .

هناك فصل بين الميدان العام والميدان الخاص .

تتقدم الخصوصيات على المصلحة العامة مع خطر تفشي الأنعزالية والطائفية والمذهبية .

تتقدم المصلحة العامة دون خنق الخصوصيات .

ان التنوع الثقافي محمي ومضمون .

يسجن المواطن نفسه في الخصوصيات .

يتمكن المواطن من التحرر من خصوصياته .

        مثلاً ان الهجوم على المصلحة العامة، من خلال خصخصة الخدمات العامة والتي ترتكز على مبدأ “حرية السوق” يصطدم بأسس الجمهورية ، لكنه يتحرك من خلال الديمقراطية .

        كما ان المدرسة والجامعة, اللتان تشكلان اليوم المكان الوحيد للعلم والمعرفة والتنوّر، اصبح كل منها في ضائقة مالية أم في وضع تابع مما يهدد الجمهورية .

        ان تحقيق المصلحة العامة في إطارها الصحيح يؤثر ايجابياً على الأفراد، بينما تحقيق المصلحة الخاصة ولو في اطاره الصحيح لا يعمم خيره على الآخرين .

        من هنا اتى عنوان هذا المقال “من أجل جمهورية ديمقراطية” مما يعني ان المصلحة العامة التي يجب ان تكون فوق كل اعتبار تُضمن “الخصوصيات” التي تتفاعل فيما بينها ديمقراطياً في المجتمع الواحد من أجل تحقيق وجود الجمهورية وديمومتها .

2 – مفهوم إداري جديد:

        لقد طرح رئيس الجمهورية تطبيق مفهوم إداري جديد يرتكز على تحقيق الأنماء الشامل وإدارة شؤون الأقضية بالطريقة الفضلى لسكانها بتطبيق قانون التنظيم الإداري واللامركزية الإدارية الموسّعة .

و قوام اللامركزية الإدارية, الذي تناولها الرئيس سليمان تتلخص ,في طرحها الحالي المتوافق عليه , بمركز المحافظ ومجالس المحافظات، برئيس وأعضاء مجلس القضاء وبرئيس وأعضاء مجالس البلدية.

        تقوم الجمهورية على مؤسسات كرئاسة الجمهورية ومجلس النواب ومجلس الوزراء والوزرات ووسيط الجمهورية والقضاء وديوان المحاسبة. وتقوم الجمهورية على تجسيد حقوق المواطن وهي تعمل لخدمته من خلال تلك المؤسسات . وبالتزامن يقوم المواطن بواجباته كاملة بكل اقتناع ورضى ومسؤولية كونه مصدر شرعية السلطات التي تتحرك وتفعل بشفافية بمبدأ الثواب والعقاب .

        والخدمة لا تتحقق فقط بالسياسة العامة بل تتكامل بواسطة البلديات في تنفيذ المشروعات الأنمائية … على الصعيد المحلي في العاصمة، في البلدة أم في القرية .

        وقبل الغوص في موضوع اللآمركزية الإدارية أفضّل الولوج في موضوع العلم والثقافة وتخزين المعلومات والخبرات. انني مقتنع بأن التربية والتعليم هما السكة التي يسير عليها القطار – الإنماء و ضرورة و أهمية الإنماء المتوازن و المستدام هما من الأسباب الأساسية لتطبيق اللامركزية الإدارية.

يوضع أي مشروع قانون لخدمة المواطنين و هم مصدر الشرعية. وعلينا الأخذ بعين الأعتبار قدراتهم الثقافية والمعرفية وبالتالي قدرات ممثليهم كي لا نكون قد طرحنا مجموعة أفكار وآراء شخصية / فردية لا تمت بصلة ولا تنفع الذي وُضِعَ هذا القانون لأجل خدمتهم ليصبح علة عليهم، على ممثليهم وعلى البلاد .

وإذا ما كنا نعيش حالياً في مجتمع تعدد اللغات (“إن المجتمع لغة”) و متنوع الثقافات واذا لم نطور بعد كتاب التربية المدنية و لم نقراء سياسياً في “كتاب” واحد (الدستور كما سماه الرئيس فؤاد شهاب) فهذا يعني اننا لن نستفيد من طرح أي مشروع قانون لأنه سيبقى حبراً على ورق .

ثم هل تعمقنا في دراسة مكونات الخريطة الأجتماعية الحالية وبنينا على أساسها ما يلزم لتأمين فعالية وتطور وديمومة اللامركزية الإدارية حتى لا تكون صياغة المشروع قد تمًت على مبدأ “النسخ واللصق” “Copy – Paste”  ؟

        وعودة الى اللآمركزية الإدارية التي ترتكز أساساً على التطور المعرفي لمكونات المجتمع و على تطوير مفهوم الحاكمية المحلية وفعالية البلديات التي من أعضائها سوف تُنتخب مجالس الأقضية . فهل نظرنا الى امكانية حدوث عدم توازن بين مجالس البلدية وبالتالي بين مجالس الأقضية ؟ هل حددنا اين تكمن مصادر التمويل؟

هل إن عدم التوازن الثقافي والمعرفي سوف يجرّ الى عدم توازن انمائي؟ وهل بالتالي نعود الى “الحبر على ورق” لمشروع طموح نظرياً لكنه عقيماً عملياً ؟

مثلاً : ان أهلية الترشيح لعضوية المجالس البلدية هي ستة . أول شرط هو “ان يعرف المرشح القراءة والكتابة” (كذا) . لكن المشترع ليس غافلاً ولا متناسياً ان الأمية لم تعد في انه لا نعرف القراءة والكتابة (ان القراءة والكتابة اصبحت تحصيل حاصل و لو ان دراسات “المعهد الأوروبي” اظهرت ان الأمية في لبنان هي في حدود 7% عند الرجال و 18% عند النساء) بل بعدم استعمال التقنيات الحديثة وأولها الحاسوب (الكمبيوتر) والأنترنت … واتقان اقله لغة أجنبية لضرورات التواصل والعلاقات الخارجية في تبادل الخبرات والقيام بتمويل و تحقيق مشاريع مشتركة .

وإذا ما جمعنا ستة رؤساء بلديات  وأثنين من مخاتير القضاء في لجنة قوامها أيضاً سبعة أعضاء من ممثلي المهن الحرة حاملي الإجازات والماجيستر والدكتوراه نكون قد ارتكبنا خطئان في مبدءا المساواة :

–  نكون قد جمعنا أعضاء غير متكافئين علمياً، ثقافياً ومعرفياً.

–  نكون قد خالفنا الدستور من حيث عدم تأمين المساواة بين المواطنين, خاصة  اذا ما علمنا ان شرط ترشيح رئيس البلدية هو “أن يقرأ ويكتب” وشرط ممثل الجسم الطبي (مثلاً) هو ان يحمل شهادة دكتوراه. إن عدم المساواة في شرط العلم و المعرفة يصبح فاضحاً !

        وبناء على ما ذكرت انفاً, أقترح ما يلي :

أ – تعديل الشرط الأول  في انتخاب رئيس البلدية ونائب الرئيس و إعطاء أولوية لللشرط العلمي.

ب –  توحيد شروط المعرفة لجميع أعضاء مجالس القضاء .

ج – تعين الدولة رئيس مجلس القضاء – كما هي فاعلة للمحافظ – وبعض الأعضاء من ذوي حملة الشهادات العليا التخصصية من أجل خلق الأطر الصالحة لتفاعل عملي تطبيقي (وليس فقط نظري) .

3 – لبنان – المثال الحي لتعايش الثقافات:

 

           إن لبنان الذي يقع على نقطة تماس جغرافي (أورو- متوسطي و أورو- عربي) وتاريخي وثقافي (ما بين الفكر الاوروبي الحديث الذي يتحرك في إطار علماني وبين الفكر العربي الذي يحكمه الدين الأسلامي في أكثريته) كيف يمكنه استيعاب و إدارة تلك التناقضات الفلسفية والثقافية؟

هل من موقعه كبلد مساحة للحوار والتفاعل الثقافي – الديني و تحييده عن الصراعات و جعله بإرادة داخلية جامعة و بتوافق إقليمي- دولي ” مركز حوارالاديان و الحضارات و الثقافات” (كما اقترح السفير السابق فوأد الترك و من ثم رئيس الجمهورية في خطاب القسم , في كلمته في افتتاح القمة الفرنكوفونية في كيبيك بكندا و امام الجمعية العمومية للأمم المتحدة) ؟

 أم هل من موقعه كبلد “تسوية” اقليمية – دولية يبقى رهينة ميزان علاقة الآخرين بين بعضهم البعض ومصالحهم الخاصة واهواء زعمائهم ؟

أين يكمن إذا هذا الحل النهائي  العقلاني “السحري” (لا الطوباوي) للتوصل الى “لبنان وطن نهائي لجميع ابنائه” كما جاء في مقدمة اتفاق الطائف؟

        إن الوضع السياسي-الأجتماعي … الحالي في لبنان غير سليم ! ويكفي ان نحوّل القارىء الى توصيات التقرير العاشر لمرصد السلم الأهلي والذاكرة في لبنان (2) وهي مماثلة لعدة مؤتمرات مشابهة انعقدت في لبنان أو في الخارج .هذه  التقارير تعزز خشيتنا من تغليب “الخصوصيات” على المصلحة العامة .أن “الخصوصيات” لن تؤسس يوماً لحالة الرخاء بل سوف تخلق مزيداً من التباعد والجنوح نحو الحقد والكراهية و الفوقية و الأستكبار مما قد يحضر الى حروب باردة صغيرة واغتيالات لمواقع و فوضى.

        ان تغليب “الخصوصيات” – التي تكفلها الديمقراطية – على المصلحة العامة وبالتالي على مبدأ قيام الجمهورية هو واقع استفزازي للمجتمع الواحد وكارثي في كل جوانبه اقله انعدام الثقة عند المواطنين بقيام واستمرارية الدولة .

        لذا يتوجب علينا تحديد عناصر قيام الجمهورية المرتكزة على مفهوم الديمقراطية الحديثة من خلال “عقد جماعي” جديد، ثابت، يأخذ بعين الأعتبار الهواجس الثقافية والتربوية والتاريخية والدينية والأقتصادية والبيئية المعروفة منا جميعاً . ان التنظيم الجديد للمجتمع يجب ان يكون عقلانياً راسخاً من أجل توجيه كل منافسة أم صراع لفائدة تقدّم المجتمع ككل دون النظر الى الفئوية والمصلحة الذاتية وتغليب الـ “نحن” (الوطن) على الـ “انا” (الخصوصيات) . علينا اذاً الثبات على اولوية الأنسان – المواطن (لا الانسان – المرعي أو الزبون) وحق اختيار المسؤولين ومراقبتهم وعزلهم ومحاكمتهم وحق التعليم والعمل والحرية والمساواة وتكافؤ الفرص في كل الميادين .

إن الشرعية الوحيدة اليوم هي الشرعية الديمقراطية في إطار الجمهورية التي تضع قوانينها في خدمة حقوق الأنسان – المواطن . فعندما تكون حقوق المواطنة مصانة يصبح الحكم شرعياً كونه مبرراً و يصبح لبنان المثال الحيً لحماية تعايش الثقافات ليس لحمايته منها.

4 – تحقيق التوازن المطلوب فيما بين الصلاحيات والمسؤوليات :

 

 إننا مدعوون بالتصرف بشفافية فيما بيننا  ووضع التذاكي على بعضنا البعض جانباً. علينا إن نقلع نهائياً عن سياسة التأرجح على الهاوية والمشي على الحبل واللعب على الحبال وشدها وجلد الذات وانفصام الشخصية والتكلم بلسانين والتمظهر بوجهين … إن اللبنانيين مدعوون إلى تلقف الفرصة من أجل الخروج النهائي من وضعهم القلق الحالي إلى مساحة جديدة مضيئة ورحبة. و تكمن هذه الفرصة في البناء على توافق قل حدوثه في تاريخنا و هو ذات أبعاد ثلاث: داخلية, إقليمية ودولية.

إن رئيس الجمهورية هو القائد الأول وأول القادة , إذا هو المسؤول الأول و أول المسؤولين )لكنه ليس الوحيد) عن ديمومة الجمهورية اللبنانية وعن الحفاظ على السلام الداخلي. والمسؤول له، ككل مواطن، حقوق، وعليه أيضاً واجبات تصبح مضاعفة بفعل اولوية المركز ، ومن الطبيعي على الدستور ان يلحظها (لكن النص جاء نَاقصاً) وان يعطيه القدرة على تنفيذها ليكون فاعلاً (و لا يصبح مفعولاً به) وامكانية محاسبته لاحقاً ( ومن التاريخ).

                وهنا ندخل في صلب موضوع ,علينا ان نوضّحه, كونه ركن اساسي في بناء الجمهورية. ان أي رئيس للجمهورية اللبنانية لا يمكنه في واقع الدستور الحالي ان يحقق أي رؤية ام حلم ام خطة عمل ام فكرة ام مشروع من ضمن صلاحياته المنصوص عنها .

إن الواقع الحالي لرئاسة الجمهورية غير سليم كونه (في صلاحياته) غير فاعل و غير منتج، يحضّر في رحمه لواقع تصادمّي فيما بين المؤسسات بدل من تفاعل العلاقات و احترام الهرمية المسؤولة وضمان الخطوط العريضة لديمومة جمهورية ديمقراطية.

ولنا فيما أقول أمثلة كثيرة منذ تطبيق اتفاق الطائف (الذي انهى الحرب على لبنان و لم ينه الحرب على اللبنانيين) ، أمثلة كانت كارثية في معظمها، ليس كما يرى البعض “لأن اتفاق الطائف لم يطبّق” لا بل لأن اتفاق الطائف قد طبّق من أجل الهدف الذي وضع من أجله .

        ما هذا الاتفاق الذي اوقعنا – بفعل ممارسات مسؤولين من انتاجه –  في دين عام كارثي وتفتت الدولة إلى “دويلات” هي على شكل مربعات أمنية / اعلامية / سياسية / تربوية … وإعلاء “الخصوصيات” على المصلحة العامة وتفشي التعصب والمذهبية في بلد – رسالة وتعاظم الهجرة ليس فقط من أجل اشباع الجوع بل لجوع للأنسنة والحرية والتقدم ؟

 لقد سقطت الروحية التي كتب فيها نص اتفاق الطائف لأنها فشلت في توحيد المجتمع و روّجت للخصوصيات و الأنانيات. انها روحية خبيثة اذاً سرطانية التمدد … و امام هذا الواقع يتوجب على اللبنانيين العودة الى صياغة هذا الأتفاق بروحية فيها كثير من المواطنة والتعاضد والثقة والمحبة و الهرمية المسؤولة و الأنسنة من اجل إرساء الجمهورية بكل معنى الكلمة و من دون أي التباس.

                    إن خلاص لبنان هو في  نخبة يعمل الفرد فيها من ضمن فريق عمل متجانس, مبدأه “كن مواطناً”, يؤمن كل واحد منهم بجمهورية ديمقراطية تؤمّن تطور مواطنيها و ديمومتها . جمهورية ديمقراطية تحقق السلام الداخلي والتضامن الأجتماعي وسعادة المجتمع . جمهورية ديمقراطية من اجل دولة القانون , تحترم دور المؤسسات و مبداء فصل السلطات وتحمي الأنسان – المواطن .

        إن الانتصار على الذات هي اولى مواصفات النخبة و لبنان لم ينضب من نساء و رجال احياء بيننا و ليسوا من نَسْجِ الخيال. ان نختار بين الذات -الخاص و المجموعة هو ان ننهيَ تلك الحيرة بين الأنانية -الخصوصية والعيش – التفاعل مع الآخرين. لذا يتوجب على النخبة التلاقي من اجل اقتراح عقد اجتماعي- سياسي جديد يحترم “الخصوصيات” , التي تصونها الديمقراطية , و التي لن تعلو يوماً على الجمهورية.

لم نعد نريد “جمهورية” تدير ازمات الآخرين على ارضنا بتقطيع الوقت و تقطيع التواصل بين الشعب الواحد.

نريد جمهورية ديمقراطية يسلم فيها المواطن و الوطن , يتفاءل المواطن بالفجر الجديد و يطمح الوطن بغد افضل.

 (*)عضو مجلس بلدية مزيارة منذ 1998

————-_

الهوامش:

(1) – « Memento du Républicain »; Ed. Mille et une Nuits 2006, 108 pages, Ouvrage collectif réalisé par A. Bellon, I. Fauconnier, J. Mercier et M. Pena-Ruiz.

 (2)- “النهار” 22 أيلول / سيبتمبر 2008 – الصفحة 16.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s